Excerpt for التناسخ والإنساء by , available in its entirety at Smashwords

التناسخ والإنساء خليل الكوفي



التّنَاسِخُ وَالإنْسَاءُ

حَقِيقَةٌ قُرْآنِيّةٌ






2018 مل – 1439 هج








خليل خضير الكوفي







بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي نَسَخَ الآياتَ بعدلِه وأنْسَاها بلطفِه ومَشِيئتِه وحَشرَ النفوسَ بقضائِه وقدرِه وأعَادَ سِنْخَها بعلمِه وحَكمته والصلاة والسلام على النّور الباهر والضياء الزاهر محمّد ابن عبد الله صَلى اللهُ عليه وعلى آله الأبرار وأصحابه الأخيار.



البداية

أما بعد: فان نظرية التناسخ - بالمعنى الذي نورده - حقيقة قرآنية نطقتْ بها عشرات الآيات الكريمة وأيّدتها الروايات الشريفة وأرساها بعض الحكماء ما قبل وبعد الإسلام بمنحى علمي رصين, فهو من أهم وأخطر المواضيع الشرعية على مصير البشرية من حيث معرفة كيفية جزاء الأعمال, ولا يستلزم من القول بها بطلان المعاد والثواب والعقاب والقِدم وغيرها من الملازمات فهذه الملازمة باطلة قطعا لأنّها ليستْ من القضيا اللزومية كما سيأتي, فمَن ينكر ما حققته وتعبت فيه فعليه إقامة الدليل ونقض الحجة بحجة أقوى حتى يأتي على آخره, بل لا يحكم ببعض الأخطاء الواردة فيه - إن وجدتْ - على جميع مضمون الكتاب بالسقوط عن الاعتبار, فلا بدّ من تحديد نسبة مئوية في الخطأ, كأن يقول الخطأ الوارد في الكتاب 5% أكثر أو أقل مثلا, وهذا هو ديدن العلماء الأحرار, وحذارِ من تقليد الغير بالتكفير والإنكار المجرد عن الحجة إذ هو ديدن الببغاء الأحمق وإن لبس لباس الإسلام واشتهر صيته بين العوام, وما أكثرهم في عصرنا الحاضر عصر انفجار المعرفة والتطور وهم جاثمون على قول ميت عن ميت وهجروا قول الحيّ الذي لا يموت, ونصّبوا أنفسهم أبوابا لمعارفه الشرعية وشرطة لمحاسبة الرعية, فزعم أعلمهم أنه وكيل الله على أرضه ومسيطر على خلقه وعصى قول الله تعالى ونبذه وادعى لنفسه ما لم يدعيه النبي صلى الله عليه وآله حيث قال تعالى: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ * وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ * لسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * علَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ * لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ) ثمّ عكفوا على ما عليه السلف فصاروا وحوشا ينفر عنهم القريب والبعيد فقلّ تفكيرهم وكثُر تكفيرهم.



تمهيد

في البداية ينبغي معرفة المراد من التناسخ بنظر القائلين به بنحو موجز ثم بعد ذلك تحقيق القول من كتاب الله - جلّت عظمته - واستخراج ما يوافق وترك ما يخالف, فإن نظرية التناسخ تعود الى ما قبل الاسلام ونُسِبَتْ الى أصناف شتى فمن أصحاب الديانات القديمة كالبراهمة والحرانية والصيامية والكونفوشية والزود اشتية والبوذية والهندوسية والمانوية, ومن الشعوب الفراعنة والكنعانيين والفينيقيين واليونانيين والصينيين والمانوية, وكذا نُسِبتْ لبعض الفلاسفة كسقراط وأفلاطون وأوري جينيس وفيثاغورس ويوذاسف وفيكتور وبعض حكماء بابل وفارس ومن الفرق الاسلامية كالقراطمة الخابطية والإسماعيلية والنصيرية الخرمية وبعض العلوية والغلاة وبعض ممثلي المعتزلة مع اختلاف عباراتهم في تعريف اصل النظرية وأوّل مَن قال بها؟ قيل أنه عبد الله بن الحارث المدائني لكنها أقدم منه, ففي الفصوص أوّل مَن قال بها نبي الله شيث (هبة الله) ابن آدم عليهما أفضل الصلاة و السلام, فليراجع مَن شاء منشأها وتاريخها والمهم عندي مضمون الفكرة العامة للموضوع.



القائلون بالتناسخ

القائلون بالتناسخ (التقمص) (Reincarnation) : هو عندهم انتقال او تحول النفس من بدنها إلى بدن مماثل لها أو أي جسمٍ ما, نحو الأشرف أو التكافئ أو الأدنى حسب مراتب أعمال تلك النفس على صيرورة الأدوار والأكوار وهكذا تتردد في عالم المُلك ومنها ما يرتقي الى عالم الملكوت, فمنهم من قال بِلا نهاية على التأبيد ومنهم من قال بالنهاية الى معاد, وبذلك تتم مجازات النفس على ما اكتسبته من الثواب أو العقاب وغرضهم من ذلك هو تحقيق العدالة بين الأنفس والاستحقاق لما كسبته, واختلفت التسمية من حضارى الى أخرى ومن معتقد إلى آخر ,وأغلبها (التقمص - تناسخ الأرواح - تهجين الأرواح - الولادة من جديد - العودة للتجسيد) فالكلمة كما ترى وليدة الترجمة فلذا التقسيم الآتي لا يعود للكلمة لا لفظا ولا معنى لانها مترجمة عن لغة أخرى فلا يعول عليها بل المعول على مضمون الموضوع, وهو عندهم صعودي و نزولي :-

التناسخ الصعودي: النفس في بدء وجودها إنما توجد في صورة أحسن النباتات، ثم تتدرج بالصعود إلى أرقى الدرجات لتصل إلى درجة الحيوان ثم تتدرج إلى النوع الإنساني ثم تتدرج الى عالم المجردات متحدة مع العقول ثم تصل إلى درجة النيرفانا (Nirvāṇa ), أي الذوبان في الروح الكلية أو الفناء عند العرفاء. كأنهم يشيرون الى نظرية النشوء والارتقاء.

التناسخ النزولي: هو انتقال النفس أو تعلقها بعد مفارقتها الجسد للأدنى كتعلقها بالحشرات أو الديدان أو الطيور أو أي دابة وأضراب ذلك, حسب ما يقتضيه الجزاء. وهو عندهم على أربعة أنواع:

النسخ: هو تحول النفس من بدن الى بدن آخر.

المسخ: هو تحول النفس الى جسم حيواني.

الفسخ: هو تحول النفس الى جسم نباتي.

الرسخ: هو تحول النفس الى جسم جمادي.

أما موقف المسلمين من هذا الاعتقاد - بالمعنى المذكور- يستلزم منه إنكار المعاد والحساب والجنة والنار لأن النفوس قد أخذت جزائها بما اكتسبت في عالم المُلك وهناك شُبه اجماع من كافة الفرق الإسلامية على تكفير القائل به دون تحقيق مفصل لأصل الفكرة إلا ما ندر على نحو الإجمال ممن قال بجواز التحول مطلقا في عالم الملكوت بحسب الباطن ومنهم من قال في عالم الملك بالظاهر والباطن لكن على وجل, و بهذا تصورا أن بحثه ممنوع و بابه مغلوق ولم يجرئ أحد بعد تكفيرهم ومنعهم على أن يستأنف الموضوع و يفصله, هيهات ثم هيهات ان باب العلم مُشرَع وكتاب الله لم يُرفَع.



الأسس المتبعة في التحقيق

قبل الشروع بالتحقيق والتدقيق في أصل النظرية لابدّ من الرجوع الى كتاب الله تعالى ليفصل محل النزاع ويوضح المحجة البيضاء لقوله سبحانه (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) وقول رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم (إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنَّه شافع مشفع وماحلّ مصدق من جعله أمامه قاده الى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار وهو الدليل يدلّ‏ُ على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيلٌ وبيانٌ وتحصيلٌ الخ.) وعليه ينبغي اتباع الأسُس المنهجية المتفق عليها عند خبراء محققي التفسير للتعويل عليها والاستشهاد بها, وهي على ايجازها ما يلي:

  1. حجية القرآن بعضه على بعض:- قال تعالى: (وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)

  2. حجية الحديث الموافق للقرآن:- قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)

  3. حجية اللغة العربية:- تشمل جميع علومها, قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

  4. حجية الجريان القرآني:- قال تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) كجريانه على مر الازمنة ليشمل الاعجاز العلمي وجريان أوله على آخره وبالعكس وجريان السياق المسبك, وهناك الكثير من المأثور ما يؤيد هذه الأسُس, عدلتُ من الجري للجريان لصيغة المبالغة.



مقدمة تفسير آية النسخ

بحول الله وقوته نبدأ بقوله تعالى:-

(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

في الآية ثلاث كلمات محورية: وهي النسخ والآية والإنساء ينبغي تحقيقها لغويا وقرآنيا:

أولا النسخ في اللغة: قال الخليل: (والنَّسْخ أمرٌ كان يُعمَل به من قبلُ ثم يُنسَخ بحادثٍ غيرهِ, وتناسُخُ الورَثةِ أن يموتَ ورثةٌ بعد ورثةٍ وأصلُ الإرث قائم لم يُقَسَّم) قال ابن فارس: (مختلفٌ في قياسِه. قال قوم: قياسُه رفْعُ شيءٍ وإثباتُ غيرِهِ مكانَه. وقال آخرون: قياسُه تحويلُ شيءٍ إلى شيءٍ) قال السجستانيّ: (أن تحوّل ما في الخليَّة من العَسَل والنَّحْل في أُخرى) وقال الرازي: (النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء، وقال القفال: إنه للنقل والتحويل) انتهى.

والصحيح: (النسخ هو تحويلُ و تغيير الشيءٍ إلى شيءٍ آخر مع بقاء الأصل) كما ورد في كتاب الله تعالى وفي اللغة مثلما قاله السجستاني والقفال والخليل, فمثال الخليل أصل العمل قائم لكن تحول وتغيير, واصل الإرث قائم لكن تحول الإرث وتغيير الوارث, ومثال السجستاني أصل النحل موجود لكن تحول وتغييرتْ الخلية الى خلية ثانية, فلو لم يبق الأصل لا يسمى نسخا بل يسمى ازالة او ابطال أو محو أو رفع الاول وإثبات الثاني هذا من حيث اللغة, وأما النسخ في القرآن الكريم كما يلي:

الآية الاولى: قوله تعالى من سورة الاعراف آية 154 (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) سؤال: لماذا قال (أخذ الألواح وفي نسختها)؟ لِمَ لَمْ يقل (أخذ الألواح وفيها)؟ أليس أبلغ وأوجز؟ الجواب: ان موسى عليه السلام عندما القى الالواح تكسرتْ في قوله تعالى من نفس السورة آية 150 (قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ) فعندما تكسرتْ تغيّرتْ هيئتها لكن بقى اصل ما فيها ولذا قال في نسختها ودلالة ذلك ما جاء في الاثر.

نقل عن أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب عليه السلام أخذنا منه موضع الشاهد حيث قال في بصائر الدرجات (ألقى الألواح من يده فمنها ما تكسر ومنها ما بقي ومنها ما ارتفع الخ...)

ثم قال الزمخشري: (روي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة)

الكشف والبيان للثعلبي: نقل عن ابن عبّاس: (ألسْتم قوماً عرباً هل يكون نسخه إلاّ من أصل كان قبل ذلك؟) لقد أجاد ابن عباس وأوجز فيه القول, وهذا يدلنا على أن النسخ هو تحويل وتغيير الشيء من حال إلى حال آخر مع بقاء الاصل أي مطابقا لما قاله رحمه الله.

الآية الثانية: قوله تعالى من سورة الحج آية 52 (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) اصل الإلقاء موجود خيرا أو شرا وأراد الشيطان تغيير الامنية فأحكم الله آياته ولو كان النسخ بمعنى الازالة كما قالوا لازال الإلقاء من اصله, وبعبارة أخرى زوال أصل الإلقاء: بمعني زوال إلقاء الله وإلقاء الشيطان معا وهذا لا يكون! بل أن الله ألقَى فغيّر ما ألقى الشيطان, ونسخ إلقاء الشيطان فهو إلقاء ناسخ ثانٍ من الله ينسخه, كما في قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) وقوله تعالى (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ) وقوله تعالى ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) ولذا أتى قوله تعالى في نفس السورة آية 53 (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) فهؤلاء تعرضوا لإلقاء الشيطان ولم يتعرضوا لإلقاء الله تعالى أجارنا الله من إلقاء الشيطان الرجيم. وهذا يدلنا على تغيير الإلقاء من الضّرّ الى النفع أو من الخير الى الشر أو من نفثات الشيطان الى نفحات الرحمن وهكذا فإن معنى الإلقاء خاضع لمعرفة كيفية الإلقاء, والمهم عندنا هو قوله تعالى (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) أي فيغيير الله الإلقاء الشيطاني بإلقاء ثانٍ رحماني ولا زوال لاصل الإلقاء أو قد أميت إلقاء الشيطان وأحيى إلقاء الرحمن عبّر ما شئت, لكن يظهر من ذلك أن القلب محل إلقاء الضدين اما رحماني واما شيطاني كالليل والنهار لا ثالثة فيه.

الآية الثالثة: قوله تعالى من سورة الجاثية آية 29 (هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) دخول الاست على الفعل يفيد الطلب ويدل على الكثرة عند النحاة فيستنسخ هو طلب نسخة طبق الاصل, فلو قال (إِنَّا كُنَّا - نَنسِخُ - مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لصار المعنى أن الله يغيير ما كنا نعمل ربما من القبيح الى الحسن أو العكس وهو لم يرد تغيير نفس عملنا بل صفته أراد تحويله كما هو هو الى كتاب ينطق علينا غدا فقد حول عملنا في الدنيا الى كتاب في الآخرة وبعبارة أخرى فقد غيّر أقوالنا وأفعالنا الى كلمات مكتوبة في الآخرة كما هي هي, حوّلها من عالم المُلك الى عالم الملكوت وغيّر صفة العمل الى صفة مكتوبة, كما قال تعالى: (ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) والمهم في هذه الآية الاستنساخ فهو تحوّل وتغيير الشيء الى شيء آخر مع بقاء الاصل فقد ماتتْ الصفة الأولى وحييت الصفة الثانية ولم يتغيير الاصل.



زيادة بيان

ان اختلاف الوزن الصرفي لنفس الفعل يدل على تغاير او تفاوت المعنى فمثلا كلمة - يخرج ويستخرج - عندما نقول (يخرجَ العمالُ النفطَ) يدل على أنهم يخرجون النفط وحال البئر محفور جاهز منقّب, لكن عندما نقول (يستخرجَ العمالُ النفطَ) يدل على أنهم يطلبون النفط لكن بمشقة الحفر والتنقيب, فدخول الاست يفيد الطلب وكثرة الحدث في أي فعل كان مع تغاير معانيها, نفس الامر في كلمة (نستنسخ) تفيد طلب نسخة طبق الاصل لأعمالنا وتدل على كثرة اقوالنا وأفعالنا المستنسخة وما زال الاستنساخ مستمر حتى حين, قال تعالى (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) فهذا الكتاب نسخة طبق الاصل قد أحصى جميع اعمالنا في الحياة الدنيا أي ترجمها الى حروف مكتوبة, فالاستنساخ هنا تغيير صفة العمل الى صفة أخرى مع بقاء الاصل.

وأما التناسخ: من نسّخ بتشديد عين الفعل يدلّ على الكثرة والتكرار كالتقطيع والتنزيل والتكفير من قطّع ونزّل وكفّر انظر الى شرح الشافية, فَالتناسخ يدل على كثرة التغيير والتحول في الشيء الى شيء آخر مع بقاء الأصل, ولم يرد في القرآن الكريم ذلك أعني تشديد عين الفعل من نَسّخ ينسّخ تناسخا, بل ورد النسخ والاستنساخ كما ذُكِر.

ثانيا الآية في اللغة: قال الخليل (أيا: الآية العلامة والآيات العلامات هي في الأصل ياء و ما جاء على بنائها نحو الغاية والراية وأشباه ذلك, فلو تكلفت اشتقاقها من آية مأياة قد أُيّيت بمعنى علامة معلمة) وتبعه في ذلك ابن فارس في المقاييس والجوهري في الصحاح, وقال ابن حمزة: (الآية من القرآن كأَنها العلامة التي يُفْضَى منها إِلى غيرها كأَعلام الطريق المنصوبة للهداية) وفي اللسان (سميت الآية آية لأَنها جماعة من حروف القرآن)

اذا كان الاصل في الآية بمعنى العلامة فهي تطلق على كل شيء له علامة معلمة موجودة بالفعل وهذا الاصل لا يفارقها انظر الى قوله تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) انظر كيف وصف ما خلق وما أحيا وكل دابة الخ... قال عنها - آيات - ظاهرة موجودة أي علامات دالة على شيء ما موجودة, وكذلك في (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ) وكذا في( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) بمعنى وكأين من آية علامة موجودة بالفعل ويُعرض عنها, كما أنها شملت وأحاطت جميع ما خلق في السموت والارض ووقعت على كل موجود ظاهر. فأصل العلامة لا يفارقها وإن أتت بمعانٍ متعدد بمعية القرينة, كقوله تعالى (قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ) أتت الآية هنا بمعنى المعجزة بقرينة الثعبان أي علامة اعجازية, وفي قوله تعالى (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) الاية بمعنى كلام الله بقرينة التلاوة والتعليم, أي كلام الله علامات تفضى للهداية, وفي قوله تعالى (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) أتت الآية بمعنى الحروف بقرينة الر ,أي تلك الحروف علامات تدل على شيء ما, وفي قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) الآية هنا بمعنى تبين احكام او الشرائع تدعو للتفكر بقرينة السؤال عن الخمر والميسر والانفاق وعلامات تفضي الى الحكمة من ذلك, وأتت بمعنى الدليل في قوله تعالى (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) أي علامة دالة على صحة أو صدق ذلك, وهكذا في بقية المعاني تركتها خوفا من ضجر القارئ, واما بدون قرينة فتقع الآية على كل شيء موجود لانها علامة ظاهرة سواء في التشريع او التكوين كما مر.

ثالثا النسيّ في اللغة: قال الخليل في العين (نَسِيَ فلان شيئا كان يذكره, والنسي الشيء المنسي الذي لا يُذكر) ابن فارس (الاول يدلُّ أحدهما على إغفال الشيء والثاني على تَرْك شيء) ابن منظور (والنِّسيْان بكسر النون ضدّ الذِّكر والحِفظ نَسِيَه نِسْياً ونِسْياناً)

والصحيح: (النَّسْيُ هو ترك ذكر الشيء المطلوب عمدا أو سهوا) كما ورد باللغة من نَسَى يَنْسِي نَسْيًا ونسيانا وهذا المعنى الدقيق بنظري هو الوارد في القرآن الكريم حسب الاستقراء.

ومنه ما نحن فيه وهو الإنساء من الإفعال نحو أنْسَى- نُنْسِي- يُنْسِي إنْسَاءً كأسرى يُسرِي إسراءً فيقع الإنْسَاءُ على ما ذُكِر, وعلى أنْسَأ يُنسِأ إنْسَاءً كأنشأ يُنْشِأ إنْشَاءً, ونظير ذلك في الإقراء: فمنه أقْرى يُقْرِي إقراءً إذا لزم القُرَى ولزم الشيء وأَلَحَّ عليه, ومنه أقرأ يُقْرِءُ إقراءً إذا أقرَأهُ القُرآن أي جعله يَقْرَء, فقد وقع الإقراء على معنيين مختلفين يُفرَق بينهما من خلال الفعل فتنبّه من اللبس, وكذلك الإطراء فمنه أطرَأ يُطرِئ إطراءً إذا أطلع شيئا ومنه أطرى يطرِي إطراءً إذا أثنى عليه وهكذا من الباب فعل وأفعل بإتفاق المعنى كما في نسى وأنسِي أو اختلافه كقسط وأقسط وان كانا من أصل واحد, وفيه المعتل وغيره, ومن ههنا يدخل الالتباس خصوصا على مَن لم يكن حليبه عربي.

أما الآية المباركة من أنْسَى يُنْسِي إذا جعله يَنسَى شيئا, أي هو مسبب النسيان, فاسم الفاعل من نُنْسِي هو المُنْسِي واسم المفعول هو المُنْسَى بضم الميم, وأما اسم الفاعل والمفعول من نَسَى فهو الناسي والمَنْسِي بالفتح. فعلى الأول أعني الإنساء من أفعل فقد ورد مسبب إنساء الغير في القرآن الكريم بخمس آيات فقط, وأما على فَعَل بمعنى نسى ينسي نسيا فبقية الآيات الشريفة, وهي كما يلي.

الآية الاولى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فالفاعل لفعل الإنساء هو الشيطان - المُنْسِي - بالكسر والمُنسَي المفعول الواقع في الخوض في آيات الله وقع عليه فعل فاعل الإنساء واما المطلوب فهو الاعراض وعدم الخوض.

الآية الثانية: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) المطلوب ذكر ربه لا ربّ الناجي, والباقي واضح.

الآية الثالثة: ( قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) والحوت هنا مَنسي بفعل نسيتُ , ومُنْسَى بفعل أَنسَانِيهُ وهو مطلوبٌ, لانه قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ. وهنا يشير يوشع عليه السلام الى نكتة وهي: إنّ نسيان السهو والغفلة لا يقع إلا بفعل فاعل! ولولا هذا الفاعل لا ينسى الانسانُ شيئًا اطلاقا, وأما نسيان العمد فأنت قاصد لتركه رغم تذكاره.

الآية الرابعة: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) المطلوب ذكر الله تعالى لكن بسببٍ ما أنسوهم, والباقي ظاهر.

الآية الخامسة: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فأنساهم أي: أنسى اللهُ الفاسقينَ أنفسَهم, لانهم نسُوا الله تعالى عن عمد والمطلوبٌ عدم نسيانه, ومعاذ الله تعالى أن يُنسيهم أنفسهم لأنهم نسوا الله عن غفلة, بل تركوه عن عمد و المطلوب ألّا ينسوه. وقد أقرّ صاحب تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية هذا المعنى العام لكنه أثبت المفعول الأول دون دليل حيث قال: (والصواب في معنى: نُنْسِها بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: " نُنْسِكَهَا " يا محمد فتذهب من حفظك أي نجعلك تتركها. وقيل: معناه: نُنْسِكَهَا من النسيان أي نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها) انتهى.

فالاصل نُنْسِيْكَهَا لكن حذفوا الياء ليشيروا إلى موضع الجزم فيه ولِأخذها مفعولين ونون المضارع للتعظيم وأما لغة المفرد تكون أنْسِيكَهَا, وعليه فلا يوجد دليل على انصراف المفعول الأول للرسول صلى الله عليه وآله أو جبرائيل عليه السلام بل لا على الواحد ولا على الجمع ولا على شخص بعينه لترديد الاحتمال ويبقى المفعول الأول وهو المُنْسَى في طي الغيب.

عند فك العبارة يظهر لنا التالي (يُنْسِي اللهُ شخصًا الآيةَ) فيكون شخصا او أشخاصا مفعول به أول, والآية مفعول به ثان, ولا يُعرف على وجه التحديد المفعول الأول كما هو ظاهر, وإن أكتُفي بالآية مفعولا واحدا بمعنى (يُنْسِي اللهُ الآيةَ) وهو الاقرب لغويا في السياق, أي: يجعلها في غياهب النسيان بأن صيّرها متروكة رغم وجودها لكن لم تُظهَر بعد, كما نُقل في الرجز (إنَّ عَلَيَّ عُقْبَةً أَقْضِيهَا * لَسْتُ بِنَاسِيهَا وَلاَ مُنْسِيهَا) أي لا أترك طلبتها عمدا ولا آمرا بتركها, وعليه فتكون الآية على ثلاث أوجه: إما منسوخة بخير منها أو مثلها واما متروكة في غياهب النسيان, فلا رابع لها في آية النسخ. فإن قيل: لِم لا تكون الآية المتروكة - المنسية - يأتي بخير منها أو مثلها؟ جوابه: لا يصح لغة مع وجود النسخ أن يترك آية ويأتي بخير منها أو مثلها فهذا هو النسخ بعينه, فان أتى بمثل المتروكة فهذا عبث كأنه ارجعها بعينها بعد ما كانت منسية؟ إلا إذا كانت الآية المغيبة لم تظهر بعد لكن في علم الله تعالى كأنها موجودة فصارت كالمتروكة في الغيب فإن ظهرتْ للوجود يصح جريان النسخ عليها حينئذ, ويقوي ذلك ما ورد في تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر - عليه السلام - في قوله { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.قال عليه السلام: (الناسخ ما حول وما ينساها مثل الغيب الذي لم يكن بعد), كما ويوافق من وجه قراءة نُنْسِئَها بالهمزة بمعنى نؤخرها الى اجل مسمى.



نكة في بلاغة مريم عليها السلام

قوله تعالى (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) انظر كيف اتهم أغلب المفسرين مريم عليها السلام بأنها تمنتْ أن تكون سقطا او حيضة او خرقة وأشباه ذلك! فهل يُعقل من سيد نساء العالمين مع معرفة قدرها عند الله تعالى أن تكون كذلك؟ بالاحتكام الى اللغة العربية نجد أن نَسْيًا مصدر, ومعنى كونه مصدرا يكون مطلقا في صدوره أي تمنتْ الرجوع الى عالم الغيب وهو النسيان المطلق لعظيم ما طرأ عليها, واكثر من ذلك مع وجودها في عالم الغيب تمنتْ أن تكون مَّنسِيًّا وهو اسم مفعول لمن ترك ذكرها أي تمنتْ وهي في عالم الغيب أن لا يذكرها أحد ويُخرجها من عالم اللاهوت الى عالم الناسوت أي أن تبقى في عالم الارواح متحدة مع العقل الكلي, وقد دلّ قولها (نَسْيًا مَّنسِيًّا) على بلاغتها بالإيجاز وشدة معرفتها بعالم المُلك والملكوت وعليه.

أولا: قد أقرتْ بوجودها في عالم الناسوت بعدما كانت في اللاهوت. ثانيا: أشارتْ الى قدرة الله تعالى بالإيجاد وعدمه. ثالثا: تسليمها المطلق لأمر الله تعالى لأنها قالت (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) ولم تقل (بَعْدَ هَذَا). رابعا: ايمانها بالمعاد ومعرفة مصيرها الى روح الغيب المطلق لأنها تمنتْ الموت. خامسا: شدة حبّها لله تعالى فقد طلبتْ لقائه رغم الكرامة والمعجزة وتبني كلمة النبوة في أحضانها التي ستحصل عليها. ربما من هذا الباب طلبتْ لقائه كي لا يشغلها شيء عن مناجاة الحبيب لحبيبه والله هو العالم, واما ما ذكره المفسرون - عن حُسن نية - فهو يمسّ قدسية مريم العذراء عليها السلام.



الخلاصة اللغوية

النسخ: هو تحويلُ و تغيير الشيءٍ إلى شيءٍ آخر مع بقاء الأصل.

الآية: هي العلامة المعلمة تقع على كل دلالة لشيء ما.

النَّسْيُ: هو ترك ذكر الشيء المطلوب عمدا أو سهوا, أي صار نَسْيًا و مَنسِيًّا.

الإنساء: من أنْسَى يُنسِي, فالمُنسِي لمن يقوم بإنساء الشيء أي يجعله مُنْسَى ليصير نَسْيًا.







آراء المفسرين بآية النسخ

(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

قالوا نسخ الحكم والتلاوة أي رفعهما, نسخ الحكم وبقاء التلاوة, نسخهما معا بآية بدلها, نسخ الشرائع الماضية وإبقاء بعضها, نسخ من اللوح المحفوظ وترك الآخر أو بالكامل, نسخ امام بإمام آخر. واما بخير منها أو مثلها فقالوا: خيرٌ في الثواب, في المنفعة, في العاقبة, بأخف وأهون منها, في أحقيقة الاتباع أقوى في إلزام الحجة بخير منها بالأنفع والأسهل لكم, بالافضل والاحسن لكم.



الأسئلة في الآية

السؤال الأول: ما هو الدليل على أن المراد بالآية في (مِنْ آيَةٍ) بمعنى كلام الله؟ أين صار المعنى اللغوي؟ جوابه: لا توجد قرينة على ما ذُكر وعليه فيرجع معناها إلى الأصل اللغوي وهو العلامة الموجودة بالفعل, فلا يوجد دليل واضح على نسخ الآية - بمعنى كلام الله - بآية أخرى, بل دلّ الدليل على عكس ذلك في الآيات التالية من قوله تعالى: * (وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) * (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ) * (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) * (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا) * (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا) * (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) * (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

شدة ظهور هذه الآيات ووضوحها تغني عن البحث, فلو وقفتُ عند بيان حجية ظهورها ربما خرجتُ عما نحن فيه إلى مجلد لأثبات ذلك, وأقوى دليل على قولهم بالنسخ هو تمسّكهم بقوله تعالى (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) فقد قال أغلبهم هذا هو النسخ - بالمعنى الذي ذكروه -.


Purchase this book or download sample versions for your ebook reader.
(Pages 1-18 show above.)